محمد أبو زهرة
1413
زهرة التفاسير
الإنسان من فوران دم قلبه ) . والغيظ بلا شك يدفع إلى الثورة وهي مظاهر الغضب فكظمه إبقاؤه في النفس وعدم ظهور آثاره في القول أو في الفعل ، وأصل كظم من كظم السقاء إذا ملأه وسد فاه ، والكظامة ما يسد به مجرى الماء ، وكظم البعير إذا لم يجتر . وإن هذا الوصف ليس فيه منع للألم الذي يحدث من الأذى ، بل إنه يدعو إلى كبح جماح الغضب ومنع نفسه من الاسترسال في مجاوبة الشر بمثله ، وإن هذا لا ينال إلا بشق الأنفس وقوة الإرادة : ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الشديد بالصرعة ، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » « 1 » ولقد اعتبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أقرب القربات ألا يغضب ، واعتبر أن إبعاد المؤمن الغضب عن نفسه إبعاد لغضب اللّه تعالى عليه ، فقد سأله أنس رضى اللّه عنه عما يبعد غضب اللّه تعالى ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « لا تغضب » « 2 » . وإن غضب المؤمن يجب أن يكون لأجل حقوق اللّه ، وغيظه يجب أن يكون لانتهاك حرمات اللّه تعالى . ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في اللّه تعالى » « 3 » . هذا هو الوصف الثاني من أوصاف المتقين ؛ أما الوصف الثالث فهو العفو ، وهو ثمرة لكظم الغيظ ، وإنه يجب أن يكون معه لأن الغيظ الشديد إذا لم يصحبه عفو فإنه يمض القلب ، ويفسد النفس ، وينهك القوى فلا بد أن يقترن بالكظم العفو لمصلحة الشخص ولمصلحة الناس ، ولكيلا تتولد الإحن « 4 » ، وتتكاثر المحن ، وليس العفو هو الستر على الجرائم العامة ، فإن الجرائم العامة إذا ظهرت وجب
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الأدب - الحذر من الغضب ( 5649 ) ، ومسلم : البر والصلة والآداب - من يملك نفسه عند الغضب ( 2609 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه . ( 2 ) رواه أحمد : مسند المكثرين ( 6346 ) عن عبد اللّه بن عمرو أنّه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ذا يباعدني من غضب اللّه عزّ وجلّ قال : « لا تغضب » . ( 3 ) رواه ابن ماجة : الزهد - الحلم ( 14179 ) عن ابن عمر رضي الله عنه . ( 4 ) الإحن : جمع إحنة ، وهي الحقد . الصحاح .